مدارات
مدارات
مدارات
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

مدارات


 
الرئيسيةالرئيسية  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخول  

 

 الإبداع: التجربة والانطلاق

اذهب الى الأسفل 
2 مشترك
كاتب الموضوعرسالة
د. تيسير الناشف




عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 01/02/2008

الإبداع: التجربة والانطلاق Empty
مُساهمةموضوع: الإبداع: التجربة والانطلاق   الإبداع: التجربة والانطلاق Empty13/3/2008, 11:10

الإبداع: التجربة والانطلاق

د. تيسير الناشف*


ينطلق العمل الإبداعي عبر تجربة من التجارب النفسية المختلفة القوية. ومن هذه التجارب الشعور بالإحباط والغضب وبالنفي النفسي والفكري والإجتماعي والجغرافي، والظروف الباعثة على السخرية وعلى إعادة التفكير في الأشياء المقبولة أو المتواضع عليها أو المسلم بها. وبهذه التجربة يخرج المرء عن حالة استقرار أو سكون المعنى وعن حالة رتابة الفكر والشعور.
أحيانا يكون الإنسان في حالة الفقدان، فقدان الروابط، او في حالة الرفض، رفض المسلمات ورفض ما هو متواضع عليه، ورفض الاسلوب اللغوي المالوف، ورفض الرتابة، ورفض القيد اللغوي والمعنوي والاجتماعي. واحيانا تكون النفس في حالة ثورة، الثورة على حالة القبول، وعلى حالة الاذعان والانقياد؛ تكون النفس في حالة الغليان، في حالة فيض وانبعاث، تبدأ بدايات جديدة، وقد لا تدري انها تبدأ تلك البدايات، وقد لا تعرف كيف تسمي تلك البدايات، وتتطلع الى الامام، او الى اتجاه آخر، اتجاه جديد مختلف، تتطلع الى اللامحدود، الى الشمس، الى غير المرئي، الى اعماق ذاتها. هذه الحالات هي حالات تقترن بها في احيان كثيرة تجربة الابداع الفكري الذي يتجلى في العلم والادب والفن والفلسفة.
وعندما تتلاشى او تخمد هذه الحالة النفسية تتلاشى التجربة الابداعية. يعود الانسان الى حالته التي اعتاد عليها، الى حالة الانسان المقيد بقيود الفكر والعادات والمؤسسات الاجتماعية المألوفة التي تحيط به وتطوقه.
وهذه التجربة الابداعية الحادة الثورية يمكن ان تدوم وقتا قصيرا او طويلا. وكلما زادت قوة تلك التجربة ازداد النتاج الابداعي توهجا بوهج العبقرية وعمقا واصالة.
يدل ذلك الطرح على الصلة القوية التي تصل الشخص المبدع بمجتمعه وعصره وبالقضايا الكثيرة المطروحة، ويدل على الدور الذي يؤديه الابداع في معرفة المبدع بالمجتمع وبالطبيعة، وفي اكتشاف الحقائق المجهولة، وفي اكتناه طبيعة الاشياء، وفي الاطلاع على العلاقات السببية بين الظواهر.
ويمكن لتجارب الاحباط والثورة ان تطلق شرارتها شتى الظروف والمشاهد: مشهد طفل يبكي وهو جاثم على صدر امه التي ماتت متضورة من الجوع دون ان يدري ذلكم الطفل ان امه قد لفظت انفاسها الاخيرة، ومشهد ام تهرع الى العيادة تحاول انقاذ طفلها الذي يوشك على الموت من الاشعاع النووي نتيجة عن اجراء التجارب النووية واستعمال اليورانيوم المنضب الذي لا يفرق تغلغل اثره الفتاك بين الجنود الذين يسمع صوت نعالهم الضاربة للارض من وسط البلدة والمدنيين الابرياء العزل من السلاح، ومشهد طاعن في السن محبط الآمال وهو ينتظر رسالة طال انتظاره لها من ابنه المتغرب هربا من القمع السياسي والظلم والقهر الاجتماعيين ولا يدري ذلك الوالد الحنون ان ابنه لقي مصرعه في حادث سير مروع، ومنظر فتاة تنتحر لانها تحمل، وقد كانت عذراء، من جندي اغتصبها بالقرب من قبر جماعي حفره مقترفو التطهير العرقي الذين اعتادوا على ان يلطخوا، بافلات من العقاب، ايديهم بدماء الابرياء الضعفاء، ومشهد الشاب الذي يبحث عن حبوب الشعير في روث البقر والماعز والجمال باصابعه التي غلفها الروث ليطعم امه وامرأته الخاويتي المعدة، ومشهد اهل القرية الذين لا يجدون ملاذا يلوذون به من قذف الطائرات وعربدة القذائف التي تنشر الرعب في قلوبهم لان لهم طريقتهم الخاصة بهم في الحياة او يعتنقون ديانة اخرى او يعلو بشرتهم لون آخر مختلف، اسمر او اسود، ومشهد النساء الاخوات المتالمات اللواتي يتحلقن في حلقة النحيب حول جثة اخيهن الوحيد الذي قتله رصاص الغدر العنصري، ومشهد الام التي تنزف دما وهي في عملية الولادة التي قد تودي، كما قال لها الاطباء، بحياتها، وقد آثرت آلام الولادة على الاجهاض لتنقذ حياة من في احشائها، ومشهد المصلين المؤمنين المصطفين خشوعا لله الذين يصلون لله صلاة الاستسقاء في ارض احتبس غيثها فاصبحت جرداء لا تنبت القمح والشعير والذرة البلدية التي كانوا يتقوتون بها.
حينما تتجاوب وتتفاعل هذه الحالات مع الفكر المنطلق الوثاب المدرك ومع النفس المتقدة شعورا بما حولها والمرهفة حسا باعماق النفس البشرية وبمعاني الاحداث والتطورات الاجتماعية تحدث عملية الابداع.
ويوجد من ينقد ويرسم ويرقص ويمثل ويغني وينظم الشعر ويدبج المقالات ويضع الالحان في الوقت ذاته او من يقوم بقسم من هذه الوظائف والنشاطات. القيام بهذه الوظائف والنشاطات تحقيق البحث عن الذات وتحقيق لها. عن طريق الفلسفة والشعر والرواية والنثر والرسم والموسيقى والنحت والغناء وغيرها يمكن هتك اسرار الوجود والنفاذ الى حقائق الكون، وعلاج ادواء الحياة والوجود. الشعراء والادباء والفلاسفة والمفكرون والكتاب والرسامون والموسيقيون والنحاتون يكتشفون المجهول ويتناولون القضايا بادواتهم الخاصة بهم. وكل منهم يوظف اداته الخاصة به في كشف المجهول وتناول القضايا والتحديات القائمة.
والحالة الطبيعية للانسان هي الاندماج في الطبيعة، في الوجود الطبيعي. وسمة الحالة الاجتماعية انها تبعد قليلا او كثيرا عن الحالة الطبيعية. والتثقف القوي بالثقافة الواسعة طريق للكشف عن الشيء الطبيعي وللاندماج في الطبيعة. ويسمو الانسان بالثقافة التي تتشابك فيها العلوم والفنون وتندمج بعضها في بعض. وبذلك يصبح الانسان اقرب الى الطبيعة والعودة اليها والاندماج فيها. وبينما تقيد الحالة الاجتماعية الانسان لا تعرف الطبيعة القيد. ويتم تحقيق الانسان لذاته حينما تنصهر في نفسه العلوم والفنون. وحينما يشعر الانسان بانه حقق ذاته يعود الى الطبيعة.
ونفس المبدع الشاعر قد تتقاسمها زمجرات الطبيعة الغاضبة وانين الموسيقى الآتية من بعيد. وقد تتجاور في نفس المبدع الشاعر الكبرياء والتواضع، وقد يجد خلاصه في الالم والبهجة. وقد يكون المبدع الاديب صديقا للبشر كلهم ونائيا عنهم كلهم. وقد يتصوف المبدع الاديب ويذوب في الوقت نفسه حبا.
ولا ينطلق الابداع بالضرورة من الاشياء ذات الانتظام الداخلي، والعملية الابداعية قد تنشأ من الاشياء غير المنتظمة. وما قد تبدو فوضى لفرد قد لا تبدو كذلك لفرد آخر. قد لا ينطلق ابداع المبدع الا من حالة غريبة غن الواقع، من شيء ليست له ابعاد واقعية ولا حقيقية، من شيء يبدو انه لا تقوم علاقات بين اجزائه، او تقوم علاقات خاصة بينها، او علاقات ذات نمط معين او غير معين، او شيء تقوم او لا تقوم علاقات بمحيطه. قد يهيم المبدع بما يبدو انه لا شيء. قد يكون ما يبدو له فوضى في العالم وفي المحيط مبعثا لالهامه ولانطلاقه. وانشاء نظام معين للاشياء غير المنتظمة يمكن ان يكون نتيجة عن تفاعل المبدع بحسه بالجمال والفكر والخلق مع هذه الاشياء. وتتخذ هذه الاشياء ابعادا وتتلون الوانا وتتشكل اشكالا وتصبح ذات مغزى حينما يضعها المبدع في ترتيبه الخاص به حسب مزاجه ورؤاه وادواته ومعاييره الخاصة به. قد ينطلق المبدع فكرا او شعرا وهو يقف على حافة المجهول المثير الشيق، او على مصب شلالات نياغارا التي تروي قصة الخلود، او على جبال البلقاء التي تشعر معها بالخشوع للخالق العظيم، او على قمة جبل الشيخ المطل على اللامحدود، او على سفوح جبل الجرمق الشامخ بثباته رغم اعاصير الشتاء وجشع البشر والذي يتلو عليك قصة الشعوب التي كانت مبعثا للحضارة.
واذا تفاعل المبدع مع الشيء المنتظم جاءت النتيجة عبارة عن نفثات صدره على ذلك الشيء وعن بصمات روحه عليه، وعن رسم جديد بلون جديد لذلك الشيء. حينما يتفاعل المبدع مع الشيء المنتظم يقيس ذلك الشيء بمقاييسه، ويزنه بمعاييره، ويدهنه بوميض روحه ويهويه بانفاسها ويطهره بعرق سهره وبمياه انهاره المسرعة المصممة.
حينما يتفاعل المبدع مع الشيء المنتظم قد يعاف انتظامه، وقد يمل من ملل انتظامه، ويزيح قشوره ويهتك قناعه، ويقف متأهبا في لجة نيران الشمس المسلطة على الزيف فيه. وحينما يتفاعل المبدع مع الشيء المنتظم يكتشف المبدع ذاته. بهذا التفاعل يعيد المبدع رسم قسمات الشيء ويتعهد بنور ابداعه الشيء المنتظم ويعيد انتاجه من جديد كي يرقى به الى الاجواء السامية والسماوات العالية.
يشفق المبدع الاديب الناقد على البشر الذين ليس لديهم الوقت للتطلع الى اشعة الشمس لان مستغليهم يجبرونهم على احناء ظهورهم وهم يعملون النهار كله لكسب لقمة العيش. والمبدع المفكر من طبيعته ان ينتقد المجتمع البشري. ففي هذا المجتمع محاسن ومساوئ.
وعدم سلوك المرء وفقا لمقتضيات فكره يعني الخضوع للواقع او التكيف معه. وتقوم اسباب لهذا الخضوع او التكيف، منها خوفه من مغبة السلوك المراعي لهذه المقتضيات. وفي الحقيقة تقوم على المستوى النظري والعملي علاقة بين مدى الوعي الفكري ومراعاة مقتضياته. كلما ازداد الوعي الفكري قوة ازداد تأثير هذا العامل في مجموعة العوامل التي تعمل في اتجاه مراعاة المرء لمقتضيات الوعي الفكري. وبالعكس.
ويوجد من هو ساخط على الواقع. ويختلف الناس بعضهم عن بعض في مدى سخطهم على الواقع او استيائهم منه او نقدهم له. والناس الراضون عن الواقع لا يرحبون طبعا بانتقاده، ويعارضون الذين ينتقدونه. والذين يعيبون الواقع قد تحرمهم الفئات الممارسة للنفوذ في المجتمع والمستفيدة من ذلك الواقع من فوائد. وقد يعجزون، نتيجة عن ذلك، عن اداء دور كبير او حتى صغير في تشكيل الفكر الذي يعتمدونه. هذه الحالة تطرح سؤالا: ما هو افضل للمجتمع: ان يكون فكر المفكر الناقد اقل حدة، مما يقلل حدة معاداة الفئات المتنفذة له، مما قد يتيح بالتالي فرصة لان يمارس تأثيره، او ان يكون فكره اشد حدة وجرأة، مما يؤدي الى حرمانه من الفرصة لممارسة هذا التأثير.
وتقوم علاقة بين الابداع وزيادة المعرفة. تستند الثقافة البشرية الى معرفة متشظية، الى معارف مجزأة. تقوم علاقة بين الابداع وتكامل المعرفة. الابداع، بمعنى الانطلاق والشمول والانفتاح على المستوى الفكري، من شأنه ان يقضي على التشظي في المعرفة. فعن طريق الابداع تمكن معرفة العلاقات بين الظواهر، بما في ذلك العلل، الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية. عن طريق الربط بين الظواهر تتكامل المعرفة، وبذلك يمكن القضاء على التشظي المعرفي. عن طريق الربط بين الامور تمكن معرفة اسباب الاعتداء على النساء وعلى شعوب العالم الثالث، واسباب ظلم الفقراء والضعفاء.

* كاتب وأستاذ جامعي فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عزيز العرباوي

عزيز العرباوي


عدد المساهمات : 63
تاريخ التسجيل : 04/02/2008
الموقع : http://arbawi.maktoobblog.com

الإبداع: التجربة والانطلاق Empty
مُساهمةموضوع: رد: الإبداع: التجربة والانطلاق   الإبداع: التجربة والانطلاق Empty22/3/2008, 16:17

لكل كاتب ومبدع تجربة يكتب عنها ويهتم بها ...

أخي تيسير الناشف شكرا لك على هذا المقال القيم والطرح الهادف

//
//
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arbawi.maktoobblog.com + http://elarbaouiaziz01.jeeran.co
 
الإبداع: التجربة والانطلاق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الرقابة والانطلاق الفكري
» رموش الإبداع
» التجربة الشعرية عند الشاعر عبد الحميد شوقي
» لقاء حول التجربة القصصية لبعد الله المتقي
» خطوة أخرى جريئة على طريق الإبداع

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدارات :: مدارات متفرقة :: مدار المقالات-
انتقل الى: