مدارات

مدارات


 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الفكر والسياسة والواقع

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د. تيسير الناشف



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 01/02/2008

مُساهمةموضوع: الفكر والسياسة والواقع   5/5/2012, 14:01

الفكر والسياسة والواقع
د. تيسير الناشف

مما يسهم إسهاما كبيرا في الإبطاء بتقدم المجتمع البشري هو العامل السياسي. وتعريف السياسة هو التوسل بوسائل لتحقيق ممارسة التأثير من أجل تحقيق أهداف معينة. ومن ذلك التعريف يتضح أن العامل السياسي لا يقتصر على العامل الحكومي. العامل السياسي كائن في كل العلاقات الاجتماعية وفي العلاقات القائمة في كل المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعائلية . العامل السياسي هو الذي يسهم إسهاما كبيرا في تقرير وتحديد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والشعب. ومختلف العوامل التراثية والقيمية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والحكومية وغير الحكومية وعامل القوى الأجنبية هي التي تقرر طبيعة الدور الذي يؤديه العامل السياسي في مختلف مؤسسات المجتمع الكثيرة وفي تحديد طبيعة العلاقات فيما بين تلك المؤسسات. ودور العامل السياسي هو نتاج تفاعل تلك العوامل.
في هذه العلاقات ينشأ تفاعل مستمر بين هذه العوامل. ومما يقرر مدى نشاط ذلك التفاعل هو مدى تغير أو عدم تغير نِسَب العامل السياسي في العلاقات فيما بين مختلف تلك العوامل. فإذا كانت تلك النسبة عالية كان ذلك التفاعل أقوى. ومن شأن ضعف ذلك التفاعل أن يسهم في نشوء ظواهر قد تكون سلبية من قبيل قلة المبادرة وقلة التحمس والحافز . وإن كانت نسبة العامل السياسي في العلاقات فيما بين تلك العوامل مرتفعة كان التفاعل أكثر نشاطا.
ونظرا إلى القوة الكبيرة التي يمتلكها العامل الحكومي وإلى التأثير الكبير الذي يمكن أن يمارسه والذي يمارسه فعلا في حياة الدولة والمجتمع فإن لطبيعة تنشئة المسؤولين الحكوميين أثرا كبيرا في تحديد حالة المجتمع والدولة والناس وفي طبيعة السياسات التي يتبعها هؤلاء المسؤولون وفي طبيعة استجابتهم إلى الأحداث والتطورات على الساحتين الداخلية والخارجية في مختلف الميادين وفي نظرتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وفي تصورهم للعلاقات بين الدولة والحكومة والمجتمع، وفي طبيعة موقفهم من نشوء المجتمع المدني ودوره ونشاطه.
وبعض حاجات المجتمع ثابتة نسبيا بغض النظر عن مرحلة النمو التي يمر المجتمع بها، وبعض حاجات المجتمع تتغير وتختلف وفقا لطبيعة مرحلة النمو التي يمر المجتمع بها. ولاختلاف مرحلة النمو أثره في مغزى العلاقات بين العامل السياسي الحكومي والعوامل السياسية غير الحكومية. فمدى نمو وتنمية المجتمع في مختلف المجالات يتوقف عليه مدى انطباق بعض المفاهيم عليه.
ويرغب دارسون – وعلى وجه الخصوص دارسون من الغرب – في أن يصفوا بلدانا غير غربية بأنها مجتمعات نامية ومجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها بأنها مجتمعات متقدمة النمو. وفي الحقيقة أن جميع المجتمعات البشرية، سواء كانت مجتمعات غربية أو غير غربية، مجتمعات نامية وأن صفة النمو ينبغي ألا تتعلق بالجانب المادي والاقتصادي والتكنولوجي فحسب، ولكن بجوانب أخرى مثل الجانب الروحي والإنساني والاجتماعي والثقافي أيضا. بهذا المعنى الأعم للنمو فإن البلدان غير الغربية أكثر نموا من الناحيتين الإنسانية والروحية.
وتشهد الساحة العربية – شأنها شأن كل الساحات في العالم – انطلاقا فكريا على قدر كبير من الموضوعية، وتشيع أيضا أفكار ونظريات على قدر كبير من الموضوعية. وقد لا أجافي الحقيقة إنْ قلتُ إن قدرا قليلا نسبيا من هذا الفكر يُطبق ويُراعى. ومما يحول دون تطبيق قدر أكبر من هذا الفكر هو أن الجهات القوية صاحبة الرؤى والمصالح تولي الأولوية لرؤاها ومصالحها. وفي حالة التناقض بين هذه الرؤى والفكر تكون الغلبة لأصحاب الرؤى والمصالح إذا كانوا أقوى من أصحاب الفكر الموضوعي. وهم في أغلب الأحيان أقوى من أصحاب الفكر الموضوعي، لأن الفكر الموضوعي يقل أنصاره بسبب صفة الحياد التي يتصف بها، وأصحاب الرؤى والمصالح لديهم ميل إلى التحالف مع الفكر غير الموضوعي الذي ينهض برؤاهم ومصالحهم.
والفكر العربي، بأنواعه المختلفة من الفكر الديني والقومي والاشتراكي والليبرالي والرأسمالي والعلمي والوضعي في مختلف المجالات، يتجلى تجليا جزئيا و يطبق تطبيقا جزئيا. ومما يحد النتاج الفكري الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية القائمة. ولو كانت هذه الخلفية مختلفة وأكثر مواتاة لأنتجت العقول العربية قدرا أكبر من الفكر. إن الجهات الفاعلة القوية الممارسة للتأثير في المجتمع تقيد، بسبب إيلائها الأولوية لرؤاها ومصالحها، التدفق الفكري والتطبيق الفكري. ويأتي هذا التقييد متجليا في الثني عن الإتيان بالفكر أو تهميشه أو إهماله أو استقباحه أو مجافاة صاحب الفكر أو معاقبته.
ويفرض الواقع الاجتماعي-الثقافي والاقتصادي والنفسي قيدا على أصحاب الفكر، وخصوصا الفكر المنطلق والخلاق. وبسبب هذا القيد يبقى قدر كبير من الفكر حبيس الصدور، ويبقى دائرا في الخاطر، لا يخرج إلى دائرة الضوء، وقد يموت صاحب الفكر ويختفي فكره معه.
وكلما كان الفكر أشد صراحة وجرأة وأحدّ نقدا ارتفع احتمال أن يلقى مقاومة أكبر وزاد احتمال أن يلقى صاحبه عقابا أقوى. ولذلك يحتمل احتمالا كبيرا أن يكون الفكر المضمر في النفوس الفكر الأشد صراحة وجرأة والأقوى نقدا.
ونظرا إلى أن كثيرا من المشاكل الاجتماعية لا يسهم في معالجتها وحلها إلا الفكر الصريح والموضوعي والجرئ والنقدي الذي لا يعرف المواربة فإن بقاء ذلك الفكر حبيسا يُعَدّ خسارة كبيرة يعاني أفراد المجتمع منها. وأظن أن من الصحيح وضع الصيغة الفكرية التالية: كلما كانت الأفكار أكثر صراحة وجرأة وأشد نقدا وأكثر صلة بالموضوع ازداد احتمال اتخاذ أصحابها لقرار أن يبقوها في صدورهم وازداد احتمال أن يتعرضوا لأذى أكبر لو أفصحوا عنها؛ وأيضا كلما كانت تلك الأفكار تتصف بتلك الأوصاف زاد احتمال أن يعاديها أصحاب النفوذ في مختلف قطاعات المجتمع ومختلف مجالات النشاط الاجتماعي.
وكلما اتسم المجتمع بقدر أكبر من الديمقراطية الاجتماعية ازدادت كمية الأفكار المفصح عنها والمتصفة بتلك الأوصاف. والشعب الذي لا يخاف من نتائج الإفصاح عن أفكاره شعب يتمتع بقدر أكبر من الحرية، شعب لديه قدر أكبر من الإباء والشموخ لأنه شعب ليس معتادا على كبت فكره وقمع شخصيته وقهرها.
ولا يوجد عقل بشري مغلق أو ثابت دوما، وذلك لأن العقل البشري متفاعل دوما بطبيعته. ونظرا إلى تفاعلية العقل البشري فإنه نشيط ومنفتح. وتختلف العقول البشرية بعضها عن بعض في مدى ثباتها وقابلية تغيرها، وفي مدى انغلاقها وانفتاحها وفي مدى سرعة تطورها وفي مدى تفاعلها مع العقول الأخرى والمعطيات التي حوله. ولعقل أفراد ينتمون إلى ثقافة بعينها ذاتيته البنيوية. ولكن هذه الذاتية متغيرة ونسبية. العقل العربي، على سبيل المثال، ليس عقلا مغلقا. إنه عقل منفتح ومتطور ، وهو يتعامل مع العقول الأخرى التي تسم ثقافات أخرى ومع المحيطين الاجتماعي-الثقافي والطبيعي والمحيط الفكري-النفسي الذي حوله. وذاتية العقل العربي نسبية بمعنى وجود اختلاف في مدى تأثر ذلك العقل بالعقول التي حوله والمحيطات التي حوله ومدى تأثيره فيها. وبعبارة أخرى، ذلك العقل، شأنه شأن العقول البشرية، نسبي بمدى تفاعليته أو انفتاحه. وتتوقف وجوه هذا الاختلاف على العوامل التاريخية والتراثية والقيمية والعقيدية والثقافية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للبشر. وثمة من المحللين مَنْ يعتقد بأن هذا الاختلاف يتوقف أيضا على العامل الوراثي والعامل العرقي.
ومما له صلة بالموضوع انعزال الفكر . تختلف الأفكار – النابعة من العقول – بعضها عن بعض في مدى عزلتها عن الواقع الاجتماعي أو صلتها به. وللعوامل السالفة الذكر أثرها الأكبر في تحديد مدى عزلة الأفكار عن الواقع المعاش أو مدى صلتها به.
وقد ارتُكبت أخطاء وما تزال ترتكب في فهم عقول البشر وفي تحليل سلوكهم العقلي. يرى خطأ بعض الكتاب الغربيين أن العقل العربي مغلق أو منغلق على نفسه. ومن المؤسف أن بعض الكتاب العرب صاروا يقبلون هذه الفكرة التي لا أساس لها من الصحة. ولا يستند هذا الرأي إلى الحقيقة. لا يوجد عقل بشري مغلق أو منغلق. رأي أولئك الكتاب قد يشير إلى انغلاقهم العقلي أو إلى توجههم العنصري في الكتابة والتفكير، إو إلى الجهل بالواقع الاجتماعي النفسي للشعوب، أو إلى التحيز المغرض أو المَرَضي أو إلى الضحالة الفكرية والسخف العقلي أو إلى مجموعة من هذه العوامل كلها أو بعضها.
إن للعقل البشري تاريخيته ولا يمكن أن تستقيم دراسة عقول البشر والشعوب إلا من منطلق تاريخية الظواهر، بما في ذلك ظاهرة السلوك العقلي . وأولئكم الكتاب في حكمهم المخطئ هذا يجهلون أو يتجاهلون تاريخية العقل العربي، أو تاريخية أي عقل بشري، مثل تاريخية العقل الأوروبي في الوقت الحاضر وفي العصور الوسطى التي تُدعى عصور الانحطاط والتخلف والظلام.
ومن السليم الإشارة هنا إلى العلاقة بين اللغة العربية ونحوها وصرفها وأوزان أفعالها وأسمائها، وبعبارة موجزة عبقريتها وفصاحتها ومنطقها واشتقاقها، من ناحية، وانفتاح عقول الأفراد الذين يحسنون التكلم بتلك اللغة. فبسبب عبقرية اللغة هذه وفصاحتها واشتقاقها وبيانها وتبيينها لا بد من أن يمكّن التكلم بها من تحقيق الانفتاح العقلي والفكري.
وثمة عوامل ثقافية واقتصادية ونفسية وغيرها داخلية وخارجية تمارس التأثير باتجاه تغيير بنية العقل، وعوامل ثقافية واقتصادية ونفسية تمارس التأثير باتجاه الثبات النسبي – والثبات المطلق مستحيل – لبنية العقل. وهذه العوامل من الفئتين متفاعلة فيما بينها باستمرار. ويمكن أن توجد عوامل تمارس في وقت أو مكان التأثير باتجاه تغيير بنية العقل، وأن تكون نفس العوامل تمارس في وقت آخر أو مكان آخر التأثير باتجاه الثبات النسبي لبنية العقل. وهوية اتجاه التأثير باتجاه الثبات النسبي أو التغيير تتوقف على تغير الظروف واختلاف الأمكنة، وهي الظروف والأمكنة المتفاعلة فيما بينها. وبالتالي فإن الثبات النسبي لبنية العقل أو تغييرها يتوقف على نتيجة العوامل المؤثرة المتفاعلة باستمرار.
والمفاهيم – بما في ذلك التفسبر، أي إيجاد العلاقة السببية – تختلف بعضها عن بعض في المؤسسات والظواهر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية وفي أدوارها. توجد مفاهيم لتلك الظواهر والمؤسسات تتسم بقدر أكبر أو قدر أقل من الانفتاح أو الانغلاق. وكلما كان ذلك المفهوم أو التفسير متسما بقدر أكبر من الانغلاق أو الانكماش أو العزلة أو الجمود كان قدر أكبر من ذلك المفهوم أو التفسير متجها صوب ثبات بنية العقل، والعكس هو الصحيح. وبالتالي فإن الثبات النسبي أو التغير لبنى العقل البشري يتوقف إلى حد كبير على المفهوم أو التفسير البشري للظواهر والمؤسسات التي تقرر الموقف (attitude) البشري والتي لها أثر أكبر أيضا في العوامل العاملة باتجاه تغيير بنية العقل البشري أو ثباته النسبي.
إن هذا العرض ينطبق على جميع الحالات التي تحدث فيها علافات تأثر وتأثير، ومنها طبعا العلاقات الاجتماعية.
والفكر العربي في الوقت الحاضر من أنواع : فكر منقطع عن تراث الماضي وفكر يدخل فيه تراث الماضي وفكر خليط من الحاضر والماضي وفكر يحاول التوفيق بينهما وفكر غربي وفكر يحاول التوفيق بين الفكر العربي الحاضر والفكر الغربي، وهناك فكر عربي له أصالته وفكر عربي مستمد من الفكر الغربي وفكر يتفاعل مع الفكر غير العربي وفكر يتمثل هذا الفكر.
ولعل القاسم المشترك بين جميع وجوه الفكر العربي هو أنه يبعد على تفاوت عن الواقع العربي وعن االمستجدات على هذا الواقع.
وحدث خطاب النهضة في واقع عربي متخلف منذ بداية القرن التاسع عشر. وكان الشاغل الأكبر لهذا الخطاب مواجهة صدمة الحداثة الأوروبية على نحو خاص، وهي الصدمة التي حدثت في العالم العربي وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي. وقد سبّب هذه الصدمةَ الوافد الغازي الأوروبي في البداية، ثم الغربي، ذو الطبيعة الملتبسة الذي جمع بين التقدم العلمي والتكنولوجي والاجتماعي والسياسي والثقافي، من ناحية، والنزعة الاستعمارية والاستغلالية والعدوانية والسياسية والاستعلائية، من ناحية أخرى. وكانت إحدى سمات هذه المواجهة أن حاول السكان استيعاب هذه الصدمة بثنائية ملتبسة سعت إلى التلفيق بين التجديد والتقليد، وبين الوافد والموروث، والتأصيل والتحديث.
ومن سمات نظم الحكم في كثير من البلدان النامية أنها نشأت من فوق، عن طريق الدول الاستعمارية التي ساندت لمصلحتها تلك النظم، أو عن طريق انقلابات عسكرية أو كانت مواصلة لرئاسات عشائرية وقبلية. ومن سمات تلك النظم أنها تسلطية أو إملائية أو قمعية أم مستبدة أو ذكورية أبوية. وتقوم فجوة عميقة بينها وبين الناس. وهذه السمات أسهمت في تقييد الفكر وتقييد التنمية.
وفضلا عن واجب القيام بدراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العربي من الضروري دراسة الفكر العربي ذاته. وقام ولا يزال يقوم تأثير متبادل بين ذلك الواقع والفكر. إن لذلك الفكر دورا أكبر في تفسير الواقع العربي والتطورات والأحداث التي شهدتها ولا تزال تشهدها الساحة العربية في مختلف المجالات وقدرا أكبر من التخلف العربي في المجال العلمي والاجتماعي وانعدام الديمقراطية أو ضعفها.
ومن العوامل التي تفسر ذلك الواقع عامل البنية التلفيقية في السلوك والمواقف. وثمة أسباب لنشوء هذه البنية التلفيقية، من أهمها الشخصية الفهلوية السائدة عند بعض قطاعات من الناس، وانعدام قدر كاف من التمسك بالمبادئ، وضحالة الثقافة وانعدام الحس القوي لدى بعض الناس بالعمق الحضاري والمرحلة الانتقالية التي تمر بها المجتمعات العربية، وهي المرحلة التي يقل أو يضعف فيها التمسك بأفكار وقيم والتي لا تكون أفكار وفيم أخرى قد حلت محلها.
ومما يسهم أيضا في نشوء الواقع المتخلف غلبة الفكر اللاتاريخي، أو لاتاريخية الفكر السائد في المجتمع العربي. وقسم من هذا الفكر فكر لا يستجيب لمستجدات ومتطلبات الحياة في الظروف الراهنة. وهو بالتالي لا يمكننا من التصدي لهذه المستجدات والمتطلبات التي يتطلب التصدي لها توفر طرق جديدة ومناهج جديدة وأفكار جديدة.
وحتى يتم القضاء على تخلف واقعنا يجب إعمال الفكر النقدي وتجب غلبته. ووظيفة هذا الفكر القيام بالنقد الموضوعي بمقدار إمكان القيام بهذا النقد. والفكر النقدي ينأى بنفسه عن أن يكون أداة أيديولوجية، على الرغم من أنه يمكن أن يخدم أغراضا أيديولوجية. يمكن أن يمارس الفكر الوظيفةَ النقدية في أي سياق أيديولوجي أو غير أيديولوجي.
والخطأ الذي يرتكبه بعض المفكرين أنهم يظنون أن بالإمكان التخلص من التخلف عن طريق الأخذ بمذهب أيديولوجي بعينه دون سواه. وفي الحقيقة أن أي مذهب أيديولوجي يمكن أن يسهم في التخلص من التخلف. ولكن هذا الإمكان لا يُحقق إلا بإعمال الفكر النقدي. العبرة أو مربط الفرس هنا في سياق السعي إلى التخلص من التخلف ليس هوية المذهب الأيديولوجي ولكن إعمال الفكر النقدي عند تطبيق ذلك المذهب. لن يقطع أي من المذاهب الأيديولوجية شوطا بعيدا ما لم تكن محاولة تطبيقه ممهورة ومرفودة بالفكر النقدي المراعَى أو المأخوذ في الحسبان. والمذهب الأيديولوجي الذي قد يكون أقل جذبا أو أقل شعبية والذي يُظن أنه لا يحقق التقدم الثقافي أو الحضاري أو العلمي أو السياسي أو الاقتصادي قد يتضح أنه يقطع شوطا أبعد في هذا الاتجاه إذا اقترنت محاولة تطبيقه بالفكر النقدي المراعَى من الشوط الذي يقطعه غي هذا الاتجاه مذهب أيديولوجي شعبي ويحظى بتوافق الآراء ولكن تفتقر محاولة تطبيقه إلى الفكر النقدي المراعَى.
ودعونا نتريث بعض الوقت في عرضنا؛ دعونا نتوقف بعض الوقت عند معنى الفكر النقدي. ينبغي لنا، ونحن نتكلم عن تلفيقية السلوك والمواقف، أن نحذر من أن يتسم سلوكنا الفكري بالتلفيقية عند الكلام عن الفكر النقدي المراعَى. اعتماد نقدية الفكر معناه تطبيق الإجراءات النقدية والخلوص العقلاني والموضوعي والواقعي والتاريخي إلى الاستنتاجات ومحاولة التطبيق العلمي المتسق لتلك الاستنتاجات. وعدم تطبيق الإجراءات النقدية أو عدم الخلوص إلى الاستنتاجات بالطريقة المذكورة أو عدم محاولة تطبيقها من شأنه أن يعني أننا لم نعتمد نقدية الفكر ومراعاة الفكر النقدي حتى لو رفعنا هذا الشعار مدة 365 يوما في السنة وكررنا ذكره في كل صحيفة ومحطة إذاعية وتلفزيونية ووضعنا لافتة مكتوبا هذا الشعار عليها أمام كل مبنى حكومي أو غير حكومي.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفكر والسياسة والواقع
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدارات :: مدارات نقدية :: مدار النقد-
انتقل الى: