مدارات

مدارات


 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الخصوصيات الثقافية والتحديات الغربية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د. تيسير الناشف



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 01/02/2008

مُساهمةموضوع: الخصوصيات الثقافية والتحديات الغربية   3/3/2010, 15:46

الخصوصيات الثقافية والتحديات الغربية
د. تيسير الناشف






تتعرض المجتمعات العربية – وفي الواقع، جميع المجتمعات غير الغربية – لتأثيرات قوية تبلغ أحيانا كثيرة حد الغزو. وأسهمت هذه التأثيرات وما تزال تسهم إسهاما كبيرا في إضعاف الخصوصيات الثقافية لتلك المجتمعات. من الجدير بالقول في هذا السياق أن الهوية الثقافية والوطنية العربية قامت على أساس مرجعية رئيسية قوامها مزيج من المعايير والقِيَم الثقافية والاجتماعية العربية والإسلامية.

ونظرا إلى أن الدولة القومية أو الدولة الوطنية تقوم على أسس منها خصوصيات ثقافية ولغوية ودينية ونفسية معينة، وإلى أن تلك الخصوصيات تسم تلك الدولة، فإن إضعاف التأثيرات الغربية للخصوصيات الثقافية أضعَفَ وما فتئ يضعف الدولة القومية والهوية الثقافية للمجتمعات النامية.

ومن السمات التي يفترض أن تسم الدولة هي أنها ذات سيادة. ونظرا إلى أن التأثيرات القوية التي تبلغ في بعض الأماكن والحالات والسياقات حد الهيمنة لا تراعي متطلبات السيادة وممارستها وإلى أن السيادة لا قِبل لها أحيانا كثيرة بتلك التأثيرات فإن سيادة الدولة تضعف حيال تلك التأثيرات.

إن وحدة التنشئة الاجتماعية العامل الأهم في تعزيز الهوية الوطنية والقومية والثقافية وذلك لأن أفراد المجتمع يُنشأون في هذه التنشئة الواحدة على معايير وقِيم ومثل ورموز واحدة أو متشابهة، مما يؤدي إلى تعزيز وحدة الهوية الثقافية.

وتنافس المرجعيةََ الثقافية الدينية والعربية وتزاحمها وتضعفها في بعض السياقات والحالات مرجعيات مستمدة من مختلف المصادر، وخصوصا المصدر الغربي، ما يسهم في إضعاف المكونات الثقافية العربية. وبتعرض أفراد المجتمع لقِيَم ومُثُل ومعايير أجنبية قوية وافدة تضعف وحدة هويتهم الثقافية لأن تلك القيم الوافدة تختلف اختلافا كبيرا عن تلك التي تنشأوا عليها وتستلهم قيما ورموزا قد تكون متناقضة معها. ونظرا إلى الاختلاف والتناقض أحيانا بين المعايير الأصيلة الوطنية والقومية المحلية والمعايير الوافدة يختل النظام المعياري لدى الفرد ويختل النظام الاجتماعي لتوزيع الأدوار الاجتماعية، ويصب ذلك في اتجاه اختلاف أنماط السلوك للأفراد والجماعات داخل المجتمع.

ونظرا إلى الانتقال السريع لكثير من أنماط السلوك الوافدة التي يحلو لكثيرين أن يقبلوها لبريقها وجاذبيتها، دون اكتناه طبيعتها وخلفيتها وملاءمتها ومدى الفائدة منها، يصعب على آليات التكيف الاجتماعي في البلدان النامية أن تكيف تلك الأنماط الوافدة، مما يصب في اتجاه نشوء ازدواجية المعايير وإلى الانشطار القيمي والسلوكي داخل نفس الفرد في المجتمع الواحد.

وبما أن بعض انماط السلوك الوافدة أكثر جذبا وبهرا في بعض الحالات لعدد لا يستهان به من أفراد المجتمع فمن الأسهل على تلك الأنماط أن تزاحم القيم الأصلية وأن تضعف بعضها على الأقل وأن تحل محلها.

ومرد استقرار المجتمع وحدة التنشئة. بفقدان وحدة التنشئة الاجتماعية وبنشوء مصادر مختلفة، وقد تكون متناقضة، للتنشئة تضعف المرجعية الثقافية العامة وتنشأ مرجعيات تزاحم المرجعية الأولى العامة الأصلية، ما يُفقد المجتمع استقراره. ومن شأن شدة الاختلافات والتناقضات بين مصادر التنشئة والتهيئة الاجتماعيتين أن تؤدي إلى الانحرافات السلوكية. ونظرا إلى أن كثيرا من المعايير الاجتماعية الغربية – التي تدخل في ثقافتنا أو تقتحم عليها – غريبة علينا وكثير منها لا يناسب قيمنا العامة أو تناقضها أو قد تضر بها، يوجِد نشوء مرجعيات سلوكية اجتماعية مستمدة من الصور الذهنية والانطباعية عن المجتمعات الأجنبية قطيعة بين النظم المعيارية الثقافية العربية والإسلامية، من ناحية، وتلك الأجنبية، من ناحية أخرى، مما يشطر شخصية العربي أو المسلم الذي يأخذ بمضامين تلك الصور ويوجد أو يزيد من النتوءات داخل نفسه وفي سلوكه.

وتنتشر سمات الصورة الغربية ذات البريق واللمعان دون معرفة حقيقة وماهية تلك الصورة انتشارا سريعا أو تقتحم تلك السماتُ بسرعة كبيرة الثقافةَ الأصلية لمختلِف المجتمعات. تُنقَل مضامين تلك الصورة بسرعة بواسطة وسائط الاتصال الحديثة الشديدة الفعالية، ما ييسر اقتحام تلك التأثيرات للمنازل في كل أرجاء المعمورة. وسرعة انتشار تأثيرات الصورة الغربية لا تترك وقتا طويلا للشعوب لأن تدرسها بتمهل ولأن تضع خططا للتصدي لتلك التأثيرات ومضاعفاتها. وبالتالي تفقد الدراسة والتخطيط المتأنيان قدرا كبيرا من أهميتهما في مواجهة التأثيرات الثقافية الأجنبية.

ويتطلب التصدي لغزو الصورة الغربية وتعزيز الطابع الثقافي العربي تعزيزَ المجهود الثقافي المشترك بين البلدان والشعوب العربية. بيد أن الجهود الرسمية وغير الرسمية لتعزيز ذلك الطابع ولإضفاء الطابع الثقافي المشترك بين الناطقين باللغة العربية غير كافية وغير وافية بالغرض. مما يؤسف له أنه بينما يتطلب التصدي لذلك الغزو بذل جهود ثقافية حكومية وغير حكومية، تبذل جهود كثيرة على الصعيد القُطْري. وبسرعة انتشار غزو الصورة الأجنبية وأثره يأتي هذا الغزو على حساب التصدي له وعلى حساب تحقيق الرؤية العربية الوطنية النابعة من التربة العربية، ويضعف كلا من الجهود الثقافية العربية المشتركة والجهود الثقافية القُطْرية. حِيال هذا الغزو وهذه الهجمة الثقافيين لا تنفع كثيرا الجهود الثقافية القليلة غير الفعالة.

وللغزو الغربي أثر متعمد وغير متعمد. يحقق هذا الغزو الأثر الذي تتوخى الجهة المرسِلة تحقيقه في المجالات النفسية والثقافية والاقتصادية والتسويقية والترويجية للشعوب المتلقية المستهدَفة. عن طريق هذا الغزو يمكن التأثير في معنويات الجهة المستهدَفة أو في توجهها القيمي أو الفلسفي ويمكن تكييف ذلك التوجه – جزئيا على الأقل – مع ما يتفق مع رؤى ومصالح الجهات المرسِلة. ومما يسهل تحقيق أغراض الجهة المرسِلة هو عدم فعالية الجهة المتلقية في الرد على مضامين الرسائل التي تتلقاها، أو انعدام الرد. وإذا نشأت هذه الحالة فإنها تتسم بالافتقار إلى التوازن، فتكون في هذه الحالة جهة مرسِلة وجهة متلقية دون أن يقوم تكافؤ في عملية الإرسال وفي عملية التلقي. وبالتالي تتعرض البنية القيمية والثقافية والذهنية للجهة المتلقية لضغط شديد من المضامين التي تُدخل أو تحشر حشرا في ذهن المتلقي على حساب خلفيته الثقافية الاجتماعية القيمية. وبالتالي ينشأ لدى الجهة المتلقية فقد للتوازن الثقافي القيمي.

هذه المضامين تنقلها وسائط الاتصال وتسوقها وتروجها. وتنقل وسائط الاتصال هذه أيضا أعمال الندوات والمؤتمرات والمناظرات التي تتناول مختلف المواضيع. تقيم هذه الوسائط علاقات وثيقة بشبكات الإذاعة والتلفزيون وشبكات الإخراج والإنتاج التلفزيوني والإذاعي والسينمائي، فضلا عن المؤسسات السياسية والاجتماعية وغيرها لتزويدها بالأفلام والبرامج والوثائق والكتابات الدعائية لتنقلها تلك الوسائط إلى مختلف أنحاء العالم. وعن طريق هذا الترويج يجري التأثير في الغير: في فكره وعواطفه ومواقفه بما يتفق مع رؤى ومصلحة الجهة المرسِلة، ويجري رسم صورة الجهة المرسِلة وصورة الجهة المتلقية المستهدَفة. بذلك تسعى الجهات المرسلة إلى تحديد الاتجاهات الفكرية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.

ولوسائط الاتصال للولايات المتحدة تأثير بارز على الساحة العالمية. تبيع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية كميات ضخمة من البرامج الثقافية والسينمائية والفنية والرياضية لبلدان العالم الثالث. وفي الحقيقة أن تأثير وسائط الاتصال الأمريكية غير مقتصر على بلدان العالم الثالث، ولكنه يؤثر في ثقافات شعوب أوروبية. مما قد يدل على الحجم الكبير لذلك التأثير التقاريرُ المنشورة التي تفيد بأن عددا من البلدان الأوروبية تقوم بإعادة إذاعة وبث خمسين في المئة من عروض وأفلام ومسلسلات ثقافية وفنية ورياضية واجتماعية. والتأثير الأوروبي في الولايات المتحدة أقل كثيرا. استنادا إلى بعض التقارير يبث ويذاع من البرامج الأوروبية في الولايات المتحدة ما لا يتجاوز ثلاثة في المئة من تلك البرامج. وقد أعربت مختلِف الهيئات الثقافية والقومية في أوروبا الغربية عن قلقها حيال التأثير الثقافي الأمريكي الكبير غير المتناسب في حياة الأوروبيين وثقافتهم وشخصيتهم. وقد نشرت في فرنسا كتب ومقالات تصف ما يجري من التأثير الثقافي الأمريكي في الثقافة الفرنسية والشعب الفرنسي بأنه حرب ثقافية أمريكية ضد الثقافة الفرنسية.

ونتيجة عن نقل وسائط الاتصال الأمريكية لرسائلها ومضامينها الأيديولوجية والثقافية إلى مختلف بقاع العالم يقلد كثيرون عن وعي أو دون وعي في العالم أو يحاولون أن يقلدوا أسلوب الحياة الأمريكي ويطغى هذا الأسلوب بقدر أكبر أو أصغر في بعض مناطق العالم على أسلوب الحياة البلدي، وبهذا التقليد يتحلل كثيرون من الأفراد والجهات من القيم الاجتماعية السائدة في المجتمعات الأهلية ويتجاوبون مع مضامين الإعلانات الأمريكية المثيرة تجاوبا سريعا أو بطيئا، دون أن تلتفت تلك الجهات إلى ما يترتب على محاولة التقليد تلك من الآثار التي قد يكون لها أثر سلبي في النسيج الاجتماعي والقيمي لشعوب العالم الثالث التي تواجه مشاكل كثيرة وعويصة تتعلق بالحياة والفقر والمرض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الخصوصيات الثقافية والتحديات الغربية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدارات :: مدارات شعرية :: مدار الخاطرة-
انتقل الى: